تلميع وتدوير

تلميع وتدوير

بلاحدود – هنادي الصديق

في واحدة من أسوأ تصريحات أهل الإنقاذ لهذا العام، وتضاف لسجلهم في التصريحات الفطيرة والمستفزة، ما جاء على لسان أحد عرابيهم ممن أراد أن يكسب عطف الرئيس ليناله من الكعكة نصيب.
هو وليس غيره، علي عثمان محمد طه الذي شغل منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية وكان من أكثر كوادر الإنقاذ ذات العلاقة الخاصة مع الرئيس، قبل أن تدور عليه الدوائر ويستبعد من الرئاسة في إطار ما سمي بالإصلاح، لينتهي به المقام في مزرعة بل ضاحية من ضواحي جنوب الخرطوم أو كما يسميها المصريون (عزبة)، معلناً وقتها زهده في العمل العام والسياسي.
نعود لموضوعنا المستفز وهو تصريح السيد علي عثمان القيادي بالمؤتمر الوطني والذي قال فيه إن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد في الوقت الراهن ليست إفرازات السياسات القاصرة والخاطئة التي اتخذتها الحكومة الحالية، وإنما تعود إلى ما بعد الإستقلال. ”أسألوا حبوباتكم وآباءكم وأمهاتكم سيقولون لكم في عام ۱۹٥۸ م انعدم ”عود الكبريت“ في الخرطوم، ومرت أيام كانت الأسر تتبادل جمرة النار التي ترعاها خلال الليل، وتحفظها في الرماد أو روث البهائم لتبقى حية ومتقدة لكي يعملوا بها شاي أو حلة في صبيحة اليوم التالي للأطفال.“
السيد طه الذي كاد أن يطويه النسيان أراد أن يغسل جراحه المفتوحة بمثل هذه (التلجات) بلغة العامة ليكسب عطف ونظرة حنان من سيادة الرئيس وأركان حربه، انتظاراً لمنصب كبير موعود به في إطار سياسات الحكومة القادمة بتجريب المجرب وإعادة تدوير القيادات التي كانت خارج (الكابينة)، وأراد طه من خلال تصريحه
أن يقول ها أنا ذا موجود.
طه أكد في أحد اللقاءات المخصصة لظهوره وتلميعه مجدداً، أن أي تجربة من المعاناة والحرمان ستكون رصيداً لأي شخص وسيدركها مستقبلاً بإعتبارها لبنة في تكوين الشخصية وتعبيد الطريق للأمام.
إنتهى حديث الشيخ ولم ينته اثره لأنه باختصار يعتبر بداية لحقبة جديدة متجددة تعكس بوضوح حجم الكارثة التي تنتظر شعب السودان المقهور لأكثر من ثلاثة عقود. وتأكيداً بأن هذا النظام يفتقد للقيادات التي تفتقد الحكمة والوعي والعقل الراجح، قيادات لا تقر ولا تعترف بالأزمات، ودائماً تضع شماعة تعلق عليها اخفاقاتها وهذا واضح فإذا كانت الأوضاع الراهنة لم تفرزها السياسات القاصرة للحكومة الحالية (الإنقاذ) فمن هو الذي يتحمل المسؤولية، ولعل التناقض واضح، فقبل فترة كانت هناك تصريحات لطه نفسه بعد خروجه من الرئاسة أشارت إلى ان كثير من الضنك الذي يعانيه المواطن في عيشه هو بسبب بعض الخطل الذي لازم بعض السياسات، وفي إطار
الممارسة آثر الرجل العمل في بنك الطعام وغيره من الاهتمامات المرتبطة بحياة الناس لأنه يدرك أن هناك تقصيراً فما الجد؟.
ولا زال الجميع يذكر مصطلحات خالدة في قاموس السودان السياسي أتى بها أهل الإنقاذ على شاكلة، (ألحس كوعك، والزارعنا غير الله اليجي يقلعنا، ولما جات الإنقاذ كان الناس بتشرب الشاي بالبلح، وكان كل مواطن عنده قميص واحد وووووالخ)، هذه وغيرها من مصطلحات قمة في الاسفاف والضحالة ينأى القلم ويعف اللسان
عن ذكرها تعكس الأسباب الحقيقية لمشاكل وأزمات السودان من ثلاثون عاماً ليومنا هذا، ولكن هذا التصريح المتناقض ما كان ينبغي أن يصدر من رجل ملم بكل تفاصيل الأزمات التي تسببت فيها الإنقاذ ولا يحتاج طفل صغير للإجابة على السؤال بأن الأوضاع الحالية تعود لفشل السياسات الحكومية، والتي تفاقمت حتى وصلت ذروتها
الآن.
الجريدة

 

 

الإعلانات

اترك رد