لماذا تعد كوريا الجنوبية بيئة مثالية لإنتاج الروبوتات؟

لماذا تعد كوريا الجنوبية بيئة مثالية لإنتاج الروبوتات؟

قد يكون الكورويون، المعروفون بخبرتهم في عالم التكنولوجيا وتفكيرهم في مجتمعاتهم وبأنهم عمليون بشكل كبير، هم الأكثر حماساً من أي سوق آخر لاعتبار الذكاء الاصطناعي جزءً من الحل وليس المشكلة.

في مطار إنتشون الدولي، خارج العاصمة الكورية الجنوبية سول، هناك فريق لطيف لمساعدتك في إيجاد بوابة الطائرة، أو مرافقتك إلى قاعة تبحث عنها.

ورغم أن كل أفراد هذا الفريق مدربون بشكل جيد، ويتصرفون بطريقة لطيفة، ويتحدثون أربع لغات، إلا أنهم ليسوا جيدين بشكل كاف في تبادل الحوارات، وذلك لأنهم مجرد أجهزة آلية.

ويعمل هذا الطاقم الآلي، الذي تم تطويره من قبل شركة إل جي للالكترونيات، عملاق التكنولوجيا الكورية، في المطار إلى جانب الطاقم البشري منذ شهر يوليو /تموز 2017.

وتتحرك هذه الروبوتات بشكل مستقل، لمسافة أربعة أمتار، على قاعدة ذات عجلات، وتقديم المعلومات للجمهور بأحرف مضيئة على شاشة “إل سي دي” مسطحة، ويتلمس الروبوت طريقه باستخدام كاميرات، وصور إشعاعية، وحساسات تعمل بالليزر، ويمكنها كذلك تمييز الصوت ونوع اللغة.

ولم يشتهر هؤلاء الآليون وحدهم في كوريا الجنوبية، التي تستعد كذلك لاستضافة الأولمبياد الشتوي لعام 2018، في الفترة من التاسع وحتى 25 من فبراير/ شباط في مدينة بيونغ تشانغ الشمالية الشرقية.

فهناك روبوت يدعى “ميثود-تو” الذي صنعته شركة هانكووك ميراي للتكنولوجيا، وهو أول روبوت مزود بقدمين، ويقوم بتشغيله إنسان من الداخل.

موظف آلي لمساعدة المسافرين في مطار إنتشون
Image captionأدخل مطار إنتشون في كوريا الجنوبية مؤخراً موظفين آليين لمساعدة المسافرين

وهناك أيضا “دي آر سي-هوبو” وهو كذلك رجل آلي يشبه البشر وله قدرات تمكنه من تحويل شكله، وصممه المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا، وقد حائز به على جائزة التحدي الآلي التابعة لوكالة أبحاث الدفاع المتقدمة لعام 2015.

كما طورت شركة “إل جي” نوعاً آخر من أجهزة الروبوت للمطار، وهو عامل نظافة يستخدم تكنولوجيا تحديد الأماكن، وتجنب المعوقات، ليحدد أكثر الممرات استخداماً ويحافظ على نظافتها.

لقد باتت كوريا الجنوبية، إلى جانب جارتها الشرقية اليابان، تُعرف على مدى سنوات بتصاميمها الذكية رفيعة المستوى، وبتوظيفها معلمين وعمّال مصانع وأطقم خدمات من الآليين، ليشكلو معاً قوى عاملة مستقبلية تعمل بشكل مستقل لتقوم ببعض وظائف الإنسان.

يقول جاي ميون هونغ، وهو أحد كبار المهندسين في قسم الحلول الذكية في “إل جي”: “من وجهة نظرنا، نعتقد أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات والحلول المشابهة ليست فقط أدوات جديدة، بل هي التكنولوجيا الأساسية لمساعدة الإنسان. ففي بعض الحالات، يمكن للروبوت أن يقوم بأعمال خطرة جداً، أو معقدة جداً، بالنسبة للعامل البشري”.

وبينما تدفع كوريا الجنوبية باتجاه عالم شجاع وجديد، فهذا العالم المنشود له جذور أيضا في تاريخها وإرثها القديم. فهذا البلد الآسيوي له إرث قديم مفعم بالآمال، وتقديس الحيوان، والإيمان بأن الأشجار والجبال لها أرواح أيضا، وهو ما قد ساعد بطريقة ما في التأثير على توجه كوريا بشغف نحو تلك التكنولوجيا الحديثة.

وتعد أسطورة تأسيس الأمة التي يُحتفل بها في الثالث من شهر أكتوبر / تشرين الأول كل عام، واحدة من مجموعة أساطير تتعلق بالحيوانات، والتي تشكل عماد العقيدة “الشامانية” القديمة في البلاد.

وحتى اليوم، تبقى أسس هذه العقيدة القديمة، محفورة في أذهان الكوريين، ولها تأثير على أعمالهم، وسياساتهم و حياتهم اليومية، حسبما يقول كوانغ يونغ شين، أستاذ علم الاجتماع في جامعة تشونغ أنغ في سول.

أجهزة روبوت للأطفال
Image captionباعت كوريا الجنوبية عام 2016 أكثر من 41 ألف روبوت

وتضم الديانة الشامانية الكورية القديمة الكثير من العناصر الأساسية التي دخلت إلى البوذية، وليس غريباً أن ترى طائراً وتعتقد أنه يتقمص روح عمك المتوفى على سبيل المثال، أو أن آلة موسيقية قد تحمل بداخلها روحا مقدسة، كما قد يعتقد الكوريون.

ويقول يونغ شين: “نحن نعتقد بأن أي نوع غير بشري يمكن أن يحمل روحاً، أو قوى خارقة تفوق مقدرة الإنسان، سواء كانت شيئاً طبيعياً أو صناعياً”.

لذلك فإن فكرة وجود شيء غير بشري، مثل الروبوت الذي يتبنى صفات الإنسان، ليس أمرا مقلقا في كوريا الجنوبية.

ويبدو من المنطقي أن الصفات الحيوانية الموجودة في العقيدة الشامانية قد “تتماشى مع فكرة الروبوت، وهي أشياء غير حية لكن لديها بعض صفات البشر”، حسبما يقول دونغ كيو، وهو تلميذ شاماني في معهد دراسة الدين التابع لجامعة سوغانغ.

وقد تكون العقائد الروحية القديمة هي الدافع للكوريين ليكونوا أكثر انفتاحاً ثقافياً واجتماعياً وقبولا لفكرة صنع أشياء آلية مستقلة، مقارنة بالغربيين.

ولذا، فإن تبنّي كوريا الجنوبية لهذه العقلية المنفتحة، يجعل منها بيئة مثالية لتطوير الاختراعات التكنولوجية المتقدمة، وسوقاً مهما لها أيضا.

وقد باعت كوريا الجنوبية عام 2016 أكثر من 41 ألف روبوت، وهي بذلك تحتل المرتبة الثانية عالميا، بعد الصين، في مبيعات الروبوت، بحسب الاتحاد العالمي لصناعة الروبوت. ويمثل هذا الرقم تقريباً نصف ما باعته الصين، التي يزيد عدد سكانها عن كوريا الجنوبية بنحو 25 مرة، وتزيد مساحتها أيضا بنحو 95 مرة.

في الواقع، تتمتع كوريا الجنوبية بأعلى كثافة لأجهزة الروبوت المستخدمة في الصناعات في العالم. فهناك631 عاملاً آلياً في قطاع الصناعة، من بين كل عشرة آلاف موظف بشري، بحسب تقرير للاتحاد العالمي لصناعة الروبوت، وفي قطاع المركبات، هناك 2145 موظفاً آلياً من بين كل عشرة آلاف موظف بشري.

وينتاب بعض الكوريين القلق خوفاً من انخفاض فرص العمل لديهم، لكن بالنسبة لكثيرين منهم، لن يتعد الأمر سوى مرحلة بالقلق فقط. وحسبما يقول كيم: “توقعت وسائل الإعلام أن الكوريين سيفقدون فرص العمل، لكنه من النادر أن تسمع أي تخوف من وجود الروبوتات في بيئة العمل”.

أحد مصانع أجهزة الروبوتمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionبعد الحرب الكورية، ركزت الحكومة بقوة على تطوير قطاعها الصناعي

أما الولايات المتحدة، فتخشى من اليوم الذي تجسده أفلام السينما على أنه “يوم النهاية” التي تنذر بالسيطرة على العالم من قبل الأجهزة الآلية، مثل أفلام “ذا ترمينيتور” و”ذا ماتريكس” و “آي روبوت”، وقد يقلقها النقاش المروّع لبعض قادة التكنولوجيا في البلاد، مثل إليون ماسك.

فبحسب استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث، هناك 72 في المئة من الأمريكيين إما قلقين كثيراً، أو قلقين بعض الشيء من مستقبل استخدام أجهزة الروبوت.

وفي حين يقلق البعض من أن يسرق الآليون فرص عملهم، بل وقد يتعدى ذلك إلى الخوف من سيطرة الذكاء الاصطناعي على العالم وتدميره، على طريقة فيلم فرانكشتاين، لا يشعر الكوريون بمثل هذا الخوف.

وبالطبع ليس الأمر بهذه البساطة، فقد أدرك الكوريون أهمية مثل هذه الآلات الحديثة. فبعد الحرب الكورية التي انتهت عام 1953، قررت الحكومة أن تخرج من الفقر بوضع قطاعها الصناعي في المقدمة.

ودفع ذلك إلى الحاجة إلى تطوير الاختراعات الالكترونية المتقدمة، وخلق قوى عاملة ذات مهارات عالية، وهو ما ساعد في نجاح اقتصاد كوريا الجنوبية اليوم، والذي يُصنف عالمياً بأنه أكثر اقتصاد خلّاق في السنوات الأربع الأخيرة على التوالي، حسب مؤشر بلومبيرغ للابتكار.

وقد أنفقت البلاد أكثر من أي بلد آخر على البحث العلمي والتطوير في عام 2014، من قيمة الناتج الإجمالي المحلي لها، بحسب تقارير لمؤسسة التعاون الاقتصادي والتنمية.

قد يكون الكورويون، والمعروفون بأنهم خبراء في التكنولوجيا، وبتفكيرهم في مجتمعاتهم، وبأنهم عمليون بشكل كبير، هم الأكثر حماساً من أي سوق آخر للتفكير في الذكاء الاصطناعي على أنه جزء من الحل لا المشكلة.

وبدل أن يقلق الكوريون من نتائج مدمرة، يحاولون إيجاد طرق لتسخير الروبوتات من أجل تسهيل حياتهم، ما يساعد على حل الكثير من مشاكلهم الاجتماعية من أصغرها إلى أكبرها، وأكثرها تعقيداً.

أحد مصانع أجهزة الروبوتمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionفي عام 2014 أنفقت كوريا الجنوبية أكثر من أي بلد آخر على مجالات البحث التكنولوجي والتطوير

وتعمل شركة “إل جي” على سبيل المثال على تطوير أنواع أكثر من الروبوتات التي يمكنها المساعدة في المنزل، بداية من أنشطة مثل جزّ العشب، إلى التجهيزات الكهربائية بشكل مستقل، وفي الفنادق ومراكز التسوق والسياحة، والأماكن العامة الأخرى.

ويقول هونغ: “هدفنا أن نحدد الأماكن التي يمكن للأجهزة الآلية أن تقدم فيها خدمات بشكل أفضل.” ويتوقع أن تكون روبوتات الشركة جاهزة للتداول التجاري خلال عام أو عامين.

ويمكن كذلك للتطبيق المستقبلي للابتكارات الآلية أن ينجح، فيمكن لكوريا الجنوبية ليس فقط استبدال القوى العاملة التي تتقدم في العمر وتتقاعد لتحل محلها القوى الآلية، ولكن يمكنها أن تهتم أيضا بتلك القوى البشرية القديمة.

وربما يمكن أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً مهما بشكل متزايد في الدفاع عن المنطقة المشتركة منزوعة السلاح على الحدود مع كوريا الشمالية، والتي شهدت نشر حرس آلي، مثل أجهزة “إس جي آر- إي1″، التي طورتها شركة سامسونغ.

وبالعودة إلى مطار إنتشون الدولي، حيث فريق الخدمات الآلي الذي يكاد ينهي برنامجه التجريبي، يستعد المطار كذلك لاستقبال بعض هؤلاء الآليين كموظفين بدوام كامل في عام 2018، ولذلك إذا ذهبت إلى ذلك المطار، فابحث عن دليل آلي، لأنه سيساعدك بكل سرور.

الإعلانات

اترك رد