لماذا تفشل الدورات التدريبية في التصدي للتحرش الجنسي؟

لماذا تفشل الدورات التدريبية في التصدي للتحرش الجنسي؟

وُضعت برامج تدريبية للتصدي لظاهرة التحرش الجنسي في أماكن العمل، لكن هذه البرامج تستعين بمقاطع فيديو عفى عليها الزمن، واستبيانات نمطية مكررة، وطرق مملة لعرض المعلومات. هناك حاجة إلى إعادة نظر في التدريبات التي تهدف إلى منع التحرش.

قريبا، وبعد صمت طويل، قد ينال كل من ارتكب مضايقات جنسية في مكان العمل ما يستحق من عقاب.

أثارت مزاعم التحرش الجنسي بحق المنتج السينمائي هارفي واينستين موجة من اتهامات التحرش الجنسي العلنية التي طالت أسماء بارزة في الأوساط الإعلامية والسياسية ونجوما في عالم الفكاهة، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل وفي المملكة المتحدة وكندا وفرنسا والصين ونيجيريا وأماكن أخرى من العالم على مدار الأسابيع القليلة الماضية.

ولم يتأثر الموظفون بالشركات الكبرى فحسب، بل إن هذه المشكلة أصبحت واسعة الانتشار، إلى حد أن نصف النساء في المملكة المتحدة تقريبا، وفقا لاستبيان لبي بي سي، أبلغن عن تعرضهن للتحرش الجنسي في مكان العمل.

ولم تختلف هذه النسب كثيرا في الولايات المتحدة. أما في الاتحاد الأوروبي، فقد ذكرت واحدة من بين كل سيدتين أنها تعرضت لتحرش جنسي في حياتها.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه الآن، في ضوء هذا التحدي الجسيم، هو كيف نتصدى لهذه المشكلة؟

ويعتزم معهد الأفلام السويدي، بعد الشكاوى التي رفعتها 700 ممثلة، اشتراط حضور جميع موظفي شركات الإنتاج دورة تدريبية إجبارية للممارسات والسلوكيات الجنسية اللائقة.

كما دفعت بلاغات عن اعتداءات جنسية في مجلس النواب الأمريكي، بول رايان، رئيس المجلس للإعلان عن إلزام جميع الأعضاء بحضور دورة تدريبية للقضاء على الممارسات التمييزية. وأعلن مجلس الشيوخ الأمريكي أيضا عن نفس الخطوة.

نساء في كوريا الجنوبية ينظمن احتجاجا ضد عدم المساواة بين الجنسين والمضايقات الجنسية في أماكن العمل في العاصمة سيولمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionنساء في كوريا الجنوبية ينظمن احتجاجا ضد عدم المساواة بين الجنسين والمضايقات الجنسية في أماكن العمل في العاصمة سيول

ويتعين على المؤسسة، التي تواجه انتقادات بسبب إخفاقها في توفير الحماية الكافية لموظفيها من الإيذاء الجنسي، أن تبرهن على أنها تبذل محاولات جادة لمعالجة هذه المشكلة، وفوق ذلك أنها تتخذ إجراءات فورية للقضاء عليها.

ربما يكون التدريب على مكافحة التحرش الجنسي هو رد فعل المجتمع التلقائي والسريع للقضاء على هذه الظاهرة، ولكن في الحقيقة لا يوجد إلا القليل من الأدلة التي تثبت نجاح هذا التدريب في تحقيق أهدافه.

فقد يجعل هذا التدريب بعض العاملين ببساطة يتحاشون زملاء بعينهم. فما هو الحل البديل؟

عيوب التدريب

يُعقد تدريب التصدي للتحرش الجنسي في أغلب بيئات العمل على فترات، بحيث يلتزم الموظفون بإكماله كل 12 شهرا على سبيل المثال. ولكن في الكثير من أماكن العمل يقتصر هذا التدريب على إجراءات بسيطة، مثل مشاهدة مقطع فيديو. والكثير من الشركات لا تطبق أي تدريب من هذا النوع.

ويعتمد مدى التزام الشركات بتطبيق هذه التدريبات ونوعية البرامج التدريبية التي تقدمها، على قوانين مكافحة التمييز المعمول بها في البلاد. وللأسف ذكر مركز تحليل السياسات العالمية (وورلد)، أن هناك 68 دولة لا توجد لديها أي قوانين صريحة تحظر التحرش في مكان العمل.

وتتلقى لجنة تكافؤ فرص التوظيف بالولايات المتحدة شكاوى بسبب التمييز في أماكن العمل سنويا، ووجدت اللجنة أن نحو ثلث هذه الشكاوى يُعزى لأسباب تتعلق بالمضايقات الجنسية، وهذا العدد لم يتغير تقريبا من عام لآخر، على الرغم من أن 90 في المئة من الشركات الأمريكية الكبرى تطبق تدريب مكافحة التحرش الجنسي، ما حدا باللجنة إلى تشكيل فريق للتحقيق في أسباب استمرار هذه المشكلة.

وتقول فيكتوريا ليبنيك، القائمة بأعمال رئيس لجنة تكافؤ فرص التوظيف، إن اللافت في تقرير اللجنة لعام 2016 أن البرامج التدريبية التي تهدف للقضاء على التحرش تركز على التعريفات والتبعات القانونية دون غيرها، وهذا يعني أن هذه التدريبات تساعد الشركات على تجنب المسؤولية القانونية، ولكنها في الحقيقة لا تقدم إلا رسالة جوفاء.

فتاة تحمل لافتة تطالب النساء بعدم السكوت عن التحرشمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionذكر بحث أجرته جامعة رايس بولاية تكساس أسبابا عديدة للتحرش الجنسي، من بينها الاعتقاد الشائع أن الرجل “يبادر بالتلميحات الجنسية والمرأة إما تقبل أو ترفض”

وتضيف ليبنيك: “باتت هذه الدورات التدريبية مثار سخرية. إذ يستحوذ الضجر والملل على الحاضرين، ويتابعون عقارب الساعة بفارغ الصبر حتى يعودوا إلى أعمالهم”.

وبتحليل 74 تدريبا من التدريبات الموجهة لمكافحة التحرش الجنسي التي وضعت من عام 1980 إلى 2016، توصلت إليزابيث تيبيت، الأستاذة المساعدة بكلية القانون بجامعة أوريغون، إلى أن أغلب البرامج التدريبية ضيقة الأفق، وأن التغييرات التي تطرأ عليها على مدار السنوات طفيفة وغير ملحوظة.

ولا تزال هذه التدريبات تركز على اللغة القانونية وطرق التصدي لمواقف مستبعدة الحدوث وملتبسة.

وتقول تيبيت إن هذه الطريقة ستكون مفيدة لو كانت الشركة التي تطبقها في حاجة إلى فهم أوضح للقانون. لكن المشكلة تكمن في أغلب الأحيان في سلوكيات الموظفين ونظرتهم للآخر، وبالطبع لن تنجح مقاطع الفيديو القديمة والمكررة في التأثير على هذه السلوكيات أو تغييرها بسهولة.

وتضيف تيبيت أن الاستماع على مدار ساعة للأمور التي يجدر بك أن تتجنبها سيجعل الناس “يظنون أن التعامل مع الآخر، الذي يختلف عنهم، أو التفاعل مع النساء محفوف بالمخاطر”.

لماذا انتشر التحرش الجنسي إلى هذا الحد؟

يقول إيدن كينغ، الأستاذ المساعد للطب النفسي بجامعة رايس بولاية تكساس، إن هناك أسبابا عديدة للتحرش الجنسي، على رأسها “الاعتقادات الشائعة أن المرأة أدنى منزلة من الرجل، وأن الرجل هو صاحب الكلمة العليا، وأن الرجل هو دائما المتعدي الذي يحاول الوصول لهدفه، والمرأة إما أن تقبل أو ترفض”.

ويقول كينغ إنه من العسير أن يفلح مقطع فيديو في تغيير صور وأفكار نمطية ترسخت على مدار قرون في الأذهان، وربما من باب أولى أن تبدأ هذه التدريبات في المراحل الدراسية المبكرة.

من داخل الكونغرس الأمريكيمصدر الصورةGETTY IMAGES
Image captionيأمل كثيرون أن تمثل تدريبات مكافحة التحرش الجنسي نقلة نوعية في هذا المجال وسط دعوات للكونغرس بإحداث تغيير جذري في نظام تعاطيه مع الشكاوى

ويشدد كل من كينغ وليبنيك على أن الكثير من أرباب العمل لا ينفقون الوقت الكافي للتعرف على جذور المشكلة، ويطبقون الحل السريع المتاح، ظنا منهم أن ما يصلح لغيرهم سيصلح لهم، بدلا من البحث عن طريقة فعالة تناسب شركتهم.

وتقول ليبنيك إن العاملين بالمصانع على سبيل المثال لن يجدوا الكثير من العوامل المشتركة بين بيئة المكاتب التي تظهر في مقاطع الفيديو وبيئة العمل في المصنع. فضلا عن أن الطريقة التي يبلغ بها المتدربون عن حالات التحرش ستختلف من مكان عمل لآخر.

وعلى الرغم من أهمية تعريف الضحايا بالمكان الذي يتوجهون إليه في حالة تعرضهم للتحرش، والدعم الذي سيلاقونه، والسرية التي ستحاط بها التحقيقات في شكواهم، فإن أغلب الدورات التدريبية الموجهة للقضاء على التحرش لا توفر هذه المعلومات، ولهذا ذكرت لجنة تكافؤ فرص التوظيف في تقريرها إن ثلاث حالات من بين كل أربع حالات تحرش، سواء جنسي أو غيره، لا يبلغ عنها.

ويرى كل من كينغ وليبنيك أن التدريب على الامتناع عن التحرش الجنسي سيؤدي الغرض منه لو كان تدريبا شخصيا مباشرا. ويقول كينغ إن تصور مواقف مقابلة، كأن يتخيل المرء أنه يتعرض هو شخصيا أو من يحب لمضايقات جنسية، ستثير التعاطف وتجعله يشعر بألم الضحية.

ويضيف كينغ أن من المهم أيضا أن يحضر الرؤساء، على اختلاف درجاتهم، مع الموظفين هذه الدورات التدريبية، لأنهم سيثبتون بحضورهم أنهم غير محصنين من العقوبات التأديبية إذا لم يتعاملوا بمهنية واحترام مع الزملاء، فضلا عن أن هذا “يدل على مدى جديتهم في التعامل مع هذا الموضوع”.

ويقول كينغ: “إذا تعاون المديرون مع الموظفين، واشتركوا معا في ممارسات تلفت الأنظار إلى السلوكات غير اللائقة وتفضحها، فسيضعون بذلك معايير السلوك التي يتعامل بمقتضاها الموظفون في الشركة”.

ويضيف كينغ أن المديرين الذين لم يمنعهم علو منصبهم من ارتكاب المخالفات والإساءة للآخرين كغيرهم من الموظفين، سيحظون أيضا بتأييد كل من هم على شاكلتهم، وهؤلاء بالطبع لن يستفيدوا من مقاطع الفيديو، ولكنهم سيتأثرون بكلام شخصية نافذة في الشركة.

وتقول ليبنيك إن أهم رسالة يمكن أن ينقلها هذا التدريب لهؤلاء المخالفين هي أن “هذا التدريب لا يهدف إلى إقناعك بتغيير طريقة تفكيرك، إنما يعرفك فقط على كيفية الحفاظ على وظيفتك”.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

الإعلانات

اترك رد