كدت اقتله

كدت اقتله

كدت اقتله……………قصة قصيرة
كان الوقت ضيقا والمدارس معطلة, ولا عمل لنا نحن الصبيان إلا اللعب في الحارة, ولكني لم اكن العب مثلهم النهار كله, فقد كان أهلي إذا عطلت المدارس في الصيف, يبعثون بي إلي الخلوة لأحفظ القران الكريم, فلم يكن يتاح لي أن العب إلا بعد العصر. فاتفق يوما أن كنت عائدا من الخلوة, فلما اقتربت من البيت, وجدت اثنين من الصبيان يتشاجران, فوقفت أشاهدهما والصبيان الأخرون يشجعونهما علي المشاجرة حتي اشتدت المعركة, وامتدت العدوي الي غيرهما فتشابكوا وعم التضارب ولتلاكم.
وكنت أنا بمعزل عن ذلك انظر ولكن لا اندفع إلي الاشتراك في المعركة واخيرا ضعفت الايدي وتخاذلت الارجل وفترت الحماسة, بعد ان تمزقت الثياب ونزفت الانوف وتحاجز الابطال,ولم يبقى سوي اثنين لم تبرد حرارتهما, ولم تكل ايديهما,فحاولت التفريق بينهما, واقبلت عليهما أريد ان افصلهما, واني لأحاول ذلك وإذا بأنفي تصيبه لكمه غير مقصودة ولكنها ادارت راسي فلم ادري ما افعل, فأهويت علي أحدهما بيدي ورجلي بغير احتياط ولأحزر.
ويظهر اني اصبت المسكين في صدره أو بطنه حتي رفسته فوقعة علي الارض وانطرح عليها كالجثة, وقيل مات, فجمد الدم في عروقي واستولي علي الفزع, فذهبت أعدو إلي البيت, ومن الغريب إني لم اشعر بشيء من العطف عله او الرثاء له. فقد كان كل ما يدور في راسي ويملأ نفسي إني لامحالة معاقب بسببه, وان الشرطة ستقبض علي وتلقي بي في الحبس, فماذا افعل لا تجنب ذلك؟
تسللت إلي غرفة المخزن واخفيت نفسي بين الاكداس, ورحت انتظر الشرطة الزين سيجيئون للقبض علي, وانتظر المعجزة التي ستنقزني منهم. وكنت أبكي وامتلي من الخوف غير إن الامل مع ذلك كان شائعا في نفسي, وكنت كل بضع دقائق أرفع راسي واكف عن البكاء, ثم أعود إلي ما أنا عليه من البكاء والخوف. ثم كان ما خفت أن يكون, فقد امتلا البيت بالرجال والصبية, وكثرت الاصوات والضجة ولكنني بقيت عاجزا عن تبين الالفاظ وفهم ما يقال. وسمعت امي وجدتي تروحان وتجيئان وهما تناديان وتسالان عني ولتجددان احدا يرشدهما إلي مخبئي. وكنت اسمع إسمي فاحبس انفاسي واغمض عيني, ثم خفتت الاصوات وسكنت الضجة. وإذا بامي داخلة تتجسس بين الاكداس,ونادتني فخانتني الارادة واذهلتني المباغتة فرددت فضحكت وجذبتني اليها, وقالت:(تعال يامجنون عسي ان تهذبك هزه الحادثة فقد كاد الولد يموت, وكان ابوه متشدد مصرا علي ذهابك إلي الشرطة, ولكنه لما عرف من ابوك ومن جدك لان وسكت فقد كان جدك شيخه. فاذهب واعتذر له فانه يريد ان يراك.) وقد ترددت في الذهاب مخافة ان تكون هزه مكيدة مدبرة للقبض علي غير ان امي ظلت تلح حتي اقتنعت وخرجت, والمدهش بعد ذلك اني حين دخلت علي الرجل ابتسم, والواقع الزي اذكره اني احاول وانا في طريقي اليه ان اعبس ويبدو في مظاهر الحزن والاسف او الخجل, ولكن محاولتي هزه تزيد ميلي الي الضحك. وتلقاني الرجل وكان شيخا, واخزني بين ذراعيه وقبلني ومضي يحدث من معه عن جدي ويقول:( لا يسعني غير الصفح والسماح فإن من علمني حرفا صرت له عبدا, وقد كان جده شيخي واستاذي رحمت الله عليه.) أدرت عيني فرأيت الصبي المسكين الذي كدت اقتله, فمضيت اليه واقبلت عليه اعانقه, ولم يكن هو دون ابيه مرؤه وكرم نفس .

الإعلانات

اترك رد